نوفمبر 13, 2017
اخر تعديل : أبريل 25, 2018

القمرية اليمنية

القمرية اليمنية
بواسطة : محفوظ عبد الفتاح
Share

ترجع البدايات المعروفة لاستخدام القمرية اليمنية في العمارة إلى ما قبل 4000 عام، حسبما يفيد الباحث المهندس البريطاني تيم ماكنتوش سميث، في دراسة علمية بعنوان (مباني صنعاء وموادها..وثيقة من القرن الثامن عشر الميلادي)، فيذكر (أن استخدام الرخام الشفاف كمادة تسمح بنفوذ ضوء الشمس لداخل المبنى ترجع لعصر ملوك سبأ). مُستدلاً بتطابق وصف المؤرخين لقصر غمدان الملكي بصنعاء، وغرفته العليا الشبيهة بما يعرف اليوم المنظر أو المفرج أعلى منازل صنعاء .

يقول سميث: (كانت الغرفة العليا لقصر غمدان الملكي مطبقة بقبة كأنها البيضة من الرخام المنضد بعضه إلى بعض، حتى يمكن للجالس في الغرفة تمييز الصقر من الحدأة لدقة نقائها وشفافيتها) حسب وصف صاحب (المنشورات الجليلة)، ومن قبله بثمانمائة عام مؤلف (الإكليل) الهمداني. مستدلاًً بوجود مناور رخامية تعلو محارب الجامع الكبير بصنعاء تعود للقرن الهجري الأول، وبملاحظة الشهاري وجود ألواح رخامية قمرية في جميع المساجد والمنازل في عصره (1171هـ-1758م) .

تطور القمرية

وقد رافق تطور القمرية ظهور القمرية المزدوجة التي تصنع من قمريتين داخلية مطعمة بزجاج ملون وخارجية بالزجاج الأبيض وتفصلهما مسافة تتراوح بين (15-20 سم).ومع أن الوظيفة الأساسية للقمرية قديماً وحديثاً هي إدخال الضوء الطبيعي للشمس والقمر إلى داخل الغرف، مع حجب الرؤية إلى الداخل من الخارج .

لا توجد اليوم إحصائية بعدد معامل صناعة القمريات في اليمن، لكن غياب هذه الإحصائية يدل على رواجها حداً يعصى على الحصر في مختلف أرجاء اليمن، التي لا يخلو حي في مدنها ولا تخلو قرية في ريفها من معمل قمريات واحد على الأقل، وكما في الماضي، لازالت صناعة القمرية وزخرفتها تنجز في المعامل وتنقل كوحدات معمارية مستقلة يتم تثبيتها بالجبس داخل إطارات مبنية من الحجر أو الياجور بشكل عقود مفرغة في متن المنزل ،كما إن حرفة صناعة القمريات لا تُدرس في أي من معاهد التعليم الفني والتدريب المهني، قدر ما تُكتسب بالممارسة، ويجري غالباً توارثها داخل الأسرة، وهي حتى اليوم تشهد تزايد أعداد المشتغلين فيها.

الأشكال

يستخدم حرفيو القمريات آلات بسيطة مجرد سكين وفرجار وبعض آلات حفر بدائية أخرى، في مقابل اعتماد هذه الحرفة على الموهبة والخيال أو الحس الفني بالضرورة في إنتاج عمل فني دقيق يلبي حاجة الزبون ورغبته من ناحية النقوش والأشكال الزخرفية التي يفيد أحد العاملين في هذا المجال أن حفرها أدق مرحلة في صنع القمرية وأن حصيلة هذه الأشكال تفوق اليوم المائتي نقش وفي تطور مستمر استجابة لنزعة الناس للتجديد ورغبتهم في التميز
مع هذا تبرز فئات رئيسة لهذه الأشكال الزخرفية، منها فئة الأشكال الهندسية، وأبرزها النجمة الثمانية تتوسط دائرة، والنجمة السداسية أيضا التي انتشرت لفترة من الزمن إثر اشتغال اليمنيين اليهود في صنع القمريات. يُضاف إلى هذين النمطين، فئة زخارف نباتية عديدة محورة عن الطبيعة، أبرزها سنبلة القمح، وورقة البن والعنب، والريحان، وحبوب الرمان، وغيرها من نباتات البيئة اليمنية، ثم تأتي فئة الأشكال الحيوانية، وهي في أغلبها أنماط حيوانات من القصص والأساطير الشعبية القديمة.

صناعة القمريات

ويبدأ صنع القمرية بتشكيل عجينة نصف دائرية متماسكة من الجبس على لوح خشبي، ثم رسم النقوش والأشكال الهندسية المطلوبة للقمرية على هذه البلاطة، ثم حفر فراغات هذه الخطوط بسكين خاصة لتشكيل فجوات تخترق سمك البلاطة ولها أضلع بسمك 1.5 سم، وبعد (3-4) أيام، تنزع البلاطة من اللوحة ويبدأ قص الزجاج الملون بمقاسات تزيد قليلاً عن فجوات النقوش المحفورة، وتصب عليها خلطة الجبس السائلة حتى تجف فيكشطها من فوق الزجاج.

ويحرص اليمنيون على اقتناء القمريات بأحجام وأشكال وألوان تتناسب وحجم البيت وفخامة بنائه وبالطبع مكانة صاحبه، إذ يتفاوت سعر (القمرية) بحسب الحجم وشكل النقش ونوعية خامة الزجاج الملون المستخدم، والأخير ينحصر في نوعين رائجين محلياً: أحدهما هندي وهو الأرخص، والثاني ألماني وهو أغلى ثمناً، لكونه وفق حرفيي القمريات (أجود أنواع الزجاج ويتميز بدوام ألوانه مدى الحياة بينما الهندي يفقد بريقه وتبهت ألوانه مع مرور الوقت بفعل أشعة الشمس).

كما يتباين الاعتناء بحجم وشكل القمرية ونوعيتها من غرفة إلى أخرى، فعادة ما تكون قمريات الدواوين (غرف الاستقبال) أفخر وأكبر لاتساع نافذاتها، وبالمثل أعلى غرفة في المنزل (المفرج أو المنظر) تتسع نوافذ جدرانها الأربعة لتسمح للقابع فيها الإطلال على البساتين والمدينة حوله، وتخصص لرب الأسرة وجلساته مع أصدقائه، وتكون دائماً هي الغرفة الأوفر حظاً بأفخر أشكال القمريات وأكبرها حجماً وأجودها زجاجاً .

شارك القصة