يناير 26, 2018
اخر تعديل : يناير 26, 2018

المدرهة

المدرهة
Share

المدرهة، وتسمى الدُرهانة، الدرِّيهة، المرجيحة، وهي أرجوحة يتم صناعتها يدويا من الأخشاب القوية، وربط أعمدتها بسلاسل حديدية أو حبال قوية ومتينة، وارتبطت في اليمن بالذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.

اسم المدرهة مشتق من (المدْرة)، وقد عرف المؤرخ نشوان الحميري المدرهة في موسوعته الشهيرة (شمس العلوم) مؤكداً أن كلمة المدرهة تسمية عربية فصحى.

تاريخ المدرهة

تنصب الْمَدَارِه في موسم الحج بعد سفر الحجاج، وهي عادة قديمة لا أحد يعرف بالضبط متى بدأت، لكنها بدأت منذ أن حج اليمنيون إلى بيت الله الحرام ولعلهم حجوا إليه قبل الإسلام، ويذكر كتاب السلوك لمؤلفه بهاء الجندي (أن المدرهة شيء اعتاد أهل اليمن عليه منذ ذلك الذي ذهب ليحج أول حجة – لعله يقصد الحج الإبراهيمي) ويذكر الكتاب أن هذه العادة شائعة في صنعاء وخارجها وفي كثير من المدن اليمنية بدليل أن والي عدن الملقب بالجزري نصب مدرهة للسلطان الرسولي المظفر علي بن عمر عندما ذهب إلى الحج سنة 659 هـ وقلده في ذلك أغلب أعيان عدن في ذلك الوقت.

صناعة المدرهة

والمدرهة من حيث الشكل عبارة عن أرجوحة كبيرة تصنع من الأشجار القوية كأشجار الطلح أو أشجار الأثل، ويتم ربط أعمدتها بحبال قوية ومتينة تسمى حبال السَّلب، وهي شجيرات صبارية سيفية سميكة حادة الرؤوس، ويتحرى الأهل عن أهمية توثيق أعمدتها خشية انقطاعها، لأن انقطاعها يحمل اعتقاداً ينذر بالشؤم من أن الحاج في خطر، وتنصيب المدرهة يُعد أهم معلم مرتبط بالحجيج، فعندما ينوي الحاج السفر لأداء مناسك الحج يقوم الأهل والجيران والأقارب بنصبها في حوش أو فناء كبير في منزل الحاج أو أحد الجيران أو في إحدى ساحات القرية أو مكان تجمع الناس كالميدان، وبالرغم من اختفاء تقاليد وطقوس المدرهة فإن نصبها في موسم الحج ما يزال شائعاً في صنعاء حتى الآن.

 أهازيج المدرهة

تُنصب أعمدة المدرهة الخشبية بأهازيج وابتهالات دينية ورقص شعبي ومزامير وضرب طبول ( البَرَع ) وترديد : “يا مدرهة يا مدرهة .. مال صوتش واهي .. قالت أنا واهية وما حد كساني .. كسوتي رطلين حديد والخشب رُمّاني”، وبعد صعود المدرهة يبدأ ترديد أبيات منها: “وقد طلعت المدرهة وفي حفظ رحماني .. وفي حفظ واحد كريم هو قط ما ينساني .. وقد طلعت المدرهة ذي صوتها شجاني .. ذي صوتها شجى الجبال ورعدل الودياني”.

من بين الأهازيج المعروفة المصاحبة للمدرهة في صنعاء القديمة : “لو تبسروا يا حاضرين كيف خرجت الحجاجي .. لو تبسروا يا الأصدقاء كيف خرجت الجمالي.. رجع من الشارع يقل في ذمتش جهالي .. في ذمتش زرع الكبد عاد الصغير غاوي.. لو تبسروا يا حاضرين حين قال مع السلامة .. لا والمسبّح قام صاح وشل بالجلالة (ردد اسم الله) .. صرَّ المكان من وحشته ودمَّعوا جهّاله .. لو تبسروا يا الحاضرين حين قامت الطيارة .. حسيت قلبي حين رجف ودمعتي سيالة”.

عودة الحاج

عند وصول الحاج ينثر الفل والياسمين وتزغرد النساء وسط حضور كثيف للأعيرة والألعاب النارية والأهازيج وقرع الطبول والمزامير حتى يصل لباب بيته ويبدأ باستقبال المهنئين له بأداء فريضة الحج وبعودته سالماً من مكة، ويتكفل المقتدرون مادياً من المعارف بالأغنام والمواشي المعدة للذبح لمساعدة أهل الحاج في إعداد ولائم تكفي مدة 30 يوماً، ويوزّع الحاج الهدايا المتعارف عليها من ماء زمزم ومسابح وخواتم وسجادات الصلاة والمصاحف والتمور.. لم تعد تقاليد وطقوس المدرهة باقية لكن نصبها وترديد الأهازيج ما يزال شائعاً خاصة في صنعاء القديمة وإن اقتصر على أيام من ذي الحجة.

شارك القصة