أكتوبر 13, 2017
اخر تعديل : فبراير 23, 2019

المجتمع والتشريعات في اليمن القديم

المجتمع والتشريعات في اليمن القديم
بواسطة : Editors of Al Moheet
Share

عرف المجتمع اليمني القديم القوانين والتشريعات كما يظهر ذلك في قانون سوق شمر الشهير، والتي تشهد على نضج شرعي وسياسي معا وتدل على بنيان دولة متقدم وراق وهو ما يتضافر مع صورة النظام السياسي الشوروي الذي يقدمه القرآن على لسان ملكة سبأ بعد استقدامها من سليمان عليه السلام ليعرض صورة رائعة لمستوى التمدن الذي وصل إليه اليمنيون القدماء   يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون، ومع أن القوانين لم تكن لتشمل كل اليمن إلا انه كان هناك مرجعية قانونية، وهي مجموعة القوانين والأعراف التي يصدرها الملوك والرؤساء يعودون إليها في مسائل الملكية وشؤون التجارة والمنازعات الأخرى.

المجتمع اليمني

في اليمن القديم كان المكرب أعلى طبقة اجتماعية في البلاد ولم يحكم منفردا لوجود مكاربة آخرين لا ينظرون لأنفسهم بدرجة أقل. وكما يتضح من نقوش خط المسند، فقد يتشارك في حكم المملكة أكثر من مكرب تصل إلى ثلاثة مكاربة في وقت واحد. يليهم طبقة اسمها “أبعل” و”أسود” وأدق ترجمة لها هي أرباب وسادة ومفردها “بعل” وهم سادة المجتمع وصفوته وأشرافه ووجهاء أقوامهم، تعني الزعماء الذين يتزعمون أكثر من قبيلة ولديهم أراضي وإقطاعيات واسعة. يشاركهم هذه المنزلة الأقيال وهم ملاك إقطاعيون ممن يمتلك أراض كثيرة ولها نفس معنى أبعل بالضبط. وطبقة اسمها الأذواء وهم أشراف وسادة ولكنهم ليسوا ملوكا فنجد عبارات مثل “ذو يزن” ومعناها رئيس أو صاحب بيت يزن فهو شريف ولكنه ليس بدرجة المكرب أو الملك.

الطبقية

وجود سادة وأقيال سيقابله طبقات معدمة محرومة كنتيجة طبيعية ويقال لهذه الفئات بلغة المسند “قطن” و”آدم” و”صغرم”. كان هناك طبقة الجنود والمقاتلين ويشار إليهم في النصوص بلفظة “أسدم” والميم في آخر الأعلام هي أداة التنكير في العربية الجنوبية والنون في آخرها وهي مقابل ال التعريف إلا أن اليونان اعتبروهم أعلى طبقة تليهم طبقة أخرى وهم شذاذ القبائل والمرتزقة وكان يستعملهم الملوك والإقطاعيون إلى جانب طبقة المحاربين.

وكانت هناك طبقة من المزارعين ويقال لهؤلاء “قسدن” وجمعهم “قسود” وهم مزارعون يعملون لقاء أجر للأقيال والأذواء ومفروض عليهم الخدمة العسكرية والقتال عند وقوع الحرب. وكون التجار وأصحاب القوافل طبقة خاصة بهم وعرفوا باسم “مكر” في نصوص المسند وهم دون الأقيال والأبعل ولكنهم مهمين وعماد اقتصادي للبلاد بسبب الضرائب التي يدفعونها.

أدنى الطبقات كانوا العبيد ويشار إليهم بألفاظ “عبدن” و”عبدم” و”آدم”. أما عوام الناس يقال لهم “جوم” وهي مرادف قوم لأن الجيم تنطق مصرية في العربية الجنوبية القديمة، أو “أخمس” وكلمة أخمس تحدد وطن الشخص. كلمة “جوم” وجدت مقرونة بآلهة فيقال “جوم مقه” أو “جوم عثتر” وهي آلهة تتشارك عدد من الأقوام في تقديسها فلا يستدل بها على مملكة الشخص، عكس كلمة “أخمس” فيقال في النصوص “أخمس معن” وتعني مواطني معين.

وتستعمل كلمة “شعبن” و”شعبم” كذلك وهي أقرب لقبيلة. وتختلف المصطلحات من مملكة لأخرى، فالسبئيون كانوا يطلقون كلمة ملك على ملوك المقاطعات التابعة لهم أما المعينيون فكنوا يستعملون كلمة “كبر” (كبير) لوصفهم وهم المسؤولون عن المقاطعات البعيدة ويقومون مقام حاكم الولاية.

التشريعات والقوانين

كان في كل مقاطعة مجلس مكون من ثمانية أعضاء، مهمة المجلس الإشراف على الشؤون الزراعية وتمويل المزارعين عند الحاجة بحصص من خزينة الدولة وجمع الضرائب. سن المعبد قانونا ينص عقوبة على المزارعين الذين يتركون أعمالهم. ولم يكن الملوك يستبدون بآرائهم إذ يستنبط من نصوص المسند وجود مجالس محلية لكل مدينة ولا شك أن أعضاء هذه المجالس كانوا من الأقيال والأذواء وهم مقربين من الملك ويحسب لهم حساب، كما يلاحظ اختلاف القوانين من مقاطعة لأخرى.

تقلص دور هذه المجالس وقضي عليه تماما في الدولة الحميرية . لم تكن مهام هذه المجالس مقصورة على الزراعة وإن كانت أهم الموارد الاقتصادية بل يتعداها إلى اقتراح قوانين العقوبات وقوانين تنظيم التجارة وتقوم هذه المجالس بتقديم اقتراحاتها إلى الملك الذي له القرار النهائي بإنفاذ القانون من رده، ودرجت العادة على إدراج اسم الملك وأسماء أعضاء المجلس الموافقين على القانون لتأكيد شرعيته. كانت هناك مجالس خاصة لأصحاب الحرف والصناع لا يعرف عدد أعضائها إلا أن الملك لا يقضي بقانون يخصهم دون استشارتهم وإدراج أسمائهم في نص القانون المتعلق بصناعتهم.

قانون سوق شمر

ورد في نقوش المسند أن شمر يهرعش سن عدد من القوانين تنظم بيع وشراء العبيد والمواشي. فيتم البيع بعد شهر ويحق للمشتري إعادة ما اشتراه خلال عشرة أيام. وإذا اشترى حيوانا ولم يهلك لمدة أسبوع وجب على المشتري دفع الثمن كاملا ويحق له إعادته إذا نفق الحيوان خلال هذا الأسبوع ولا يحق له الاعتراض بعدها. الملك لا يتدخل إلا في الأمور المتعلقة بالضرائب والقرارات الكبيرة المؤثرة أما قوانين الزواج والميراث فتركت لأهل المجالس والمعبد.

قانون العقوبات

كانت عقوبة القاتل هي الإعدام بالسيف فلم يعرفوا غيرها ولا توجد دلائل مكتشفة على استعمالهم وسائل أخرى كالرجم والصلب وغيرها من وسائل الإعدام. لم تحدد قيمة الديات إلا أن نصا سبئيا يعود للقرن الثامن ق.م أمر قبيلة أحد المجرمين بدفع مئتان (لا يعرف ماهي هاتان المائتان بالضبط) لخزينة المعبد لقاء دم مقتول من طبقة “آدم” وهي طبقة دنيا. ويلاحظ أن عقوبة القتل لم تطبق على القاتل لأنه من طبقة مرموقة أما المقتول فكان من صغار الناس والمساكين فأكتفى الكهنة بتغريم أهل المجرم. منعت القوانين أصحاب الحق من ذوي المقتول أخذ حقهم بأياديهم بل تفرض عليهم عقوبات إذا ما قاموا بذلك.

الخروج عن الحاكم

أما عقوبة الثورة والخروج على حكم الملك فهي القتل والقرار النهائي والأخير ليس بيد القاضي بل بيد رأس الدولة فوردت نصوص عن عفو يصدره الملوك اتجاه الآخرين. ومما يدل على الطبيعة الكهنوتية لنظام الحكم، هو اشتراط الملك أن يقدم المعفو عنه قربانا في المعبد وأن يسأل الآلهة أن يغفروا له تعديه على الملك. فاعتبر الخروج على الحاكم خروج على الآلهة نفسها.

بناء السجون

تم بناء السجون لإيداع المجرمين والثائرين وكانت مباني محصنة ومسورة يشرف عليها الجنود. كان هناك عقوبات لا تستحق السجن مثل الذين يتهربون من دفع الضرائب وعقوبتهم خمسين جلدة في مكان عام. كانت التضحية بالبشر والفتيات (الوأد) رائجة لفترة في اليمن القديم ولكن اكتشفت كتابة سبئية تقر قانوناً يمنع وأد البنات.